تمثل رواية «النهش» للكاتبة شيرين هنائي علامة فارقة في أدب رعب "ما بعد الكارثة" في العالم العربي. لا تأخذنا الكاتبة إلى شوارع المدن المزدحمة المعتادة في هذا النوع من الأدب، بل تعزلنا في قرية نائية بمدينة شلاتين على ساحل البحر الأحمر، حيث يبدأ الرعب بخطوات هادئة ومخيفة قبل أن يبتلع كل شيء.
طبيعة تتمرد.. وعدوى تحول الأحياء لمسوخ تخيل أن تقرر الطبيعة فجأة التمرد على الإنسان. الكارثة هنا تبدأ تدريجياً؛ طيور النوارس على الشاطئ تتحول لكائنات عدوانية تهاجم البشر، ثم تمتد اللعنة لتصيب حيوانات الرعي الأليفة التي يقاسمها الإنسان حياته اليومية من جمال وماشية، محولة إياها إلى مسوخ شرسة تفتك في مجموعات. ذروة الرعب تتشكل حين يتسرب هذا الوباء المجهول إلى البشر، خالقاً نهماً جنونياً للحوم النيئة ورغبة عمياء في افتراس الآخرين.
الوحش الحقيقي: الإنسان وقت الأزمات تضعنا الرواية أمام التساؤل الأزلي المرعب: كيف تتصرف النفس البشرية حين يسقط القانون وتحل الكارثة؟ عندما يحاصر الموت القرية، لا يقف البشر صفاً واحداً لمواجهته، بل تنهار القيم وتتصدع الروابط الإنسانية، لنشهد:
صراع البقاء: تكالب شرس على سرقة الموارد القليلة المتبقية من طعام وماء ودواء وسلاح، حيث تُدهس المصلحة الجماعية تحت أقدام النجاة الفردية.
تلاشي السلطة الرسمية: تغيب الدولة بسبب العزلة، وتنتقل السلطة لمن يملك القوة الغاشمة، مما يشعل صراعاً دامياً على الزعامة بين القبائل البدوية وسط الفوضى.
لا تنتظروا النجدة.. العالم يحترق برعت الكاتبة في دمج الرعب النفسي بعبق البيئة البدوية المصرية وعادات أهل شلاتين، لكنها تصدمنا بحقيقة أكثر قسوة مع تطور الأحداث؛ الوباء ليس محلياً بل اجتاح العالم بأسره. لا توجد فرق إنقاذ قادمة، ولا مدد سيصل. الجميع أمام حتمية واحدة: الموت، أو التكيف المرير مع واقع جديد لا يعرف الرحمة.
«النهش» ليست مجرد قصة عن وحوش ودماء، بل هي مرآة مظلمة تعكس دواخلنا حين تسقط عنا قشور المدنية.
شاركونا في التعليقات: لو استيقظتم يوماً في عالم معزول سقطت فيه كل القوانين.. هل ستتمسكون بإنسانيتكم أم بقواعد البقاء؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق